في كل عيد…
هناك لحظة صغيرة جدًا لا يلاحظها أحد، لكنها تحدث تقريبًا للجميع.
لحظة تقف فيها أمام الدولاب، تمسك قطعة ملابس جديدة، ثم تشعر فجأة بشيء غريب…
شيء يشبه الحنين، لكنه أعمق من مجرد تذكّر.
تسأل نفسك دون وعي:
لماذا لم يعد العيد كما كان؟
ولأن العقل لا يحب الفراغ، يبدأ فورًا في صناعة إجابة سهلة:
“الأيام القديمة كانت أجمل.”
لكن علم النفس يرى الأمر بطريقة مختلفة تمامًا.
المشكلة ليست أن العيد تغيّر فقط…
المشكلة أن “نحن” تغيّرنا نفسيًا، عصبيًا، وعاطفيًا.
فالطفل الذي كان يستيقظ قبل صلاة العيد بساعتين من شدة الحماس، لم يكن يملك وعيًا مفرطًا بالحياة، ولا قائمة طويلة من القلق، ولا ذلك الإرهاق الإدراكي الذي يستهلك الإنسان مع الوقت.
كان يعيش اللحظة كما هي.
أما الآن… فنحن نعيشها ونحن نفكر فيها في نفس الوقت.
وهنا تبدأ النوستالجيا.
النوستالجيا ليست مجرد حنين للماضي كما يظن البعض، بل هي ظاهرة نفسية معقدة ترتبط بما يسمى في علم النفس العاطفي بـ: “Emotional Memory Encoding”
أي الترميز العاطفي للذكريات.
العقل البشري لا يحفظ الماضي كما حدث فعلًا، بل كما “شعرنا” به.
ولهذا نتذكر أعياد الطفولة دافئة، واسعة، ومضيئة بشكل مبالغ فيه أحيانًا…
حتى لو كانت بيوتنا أصغر، وألعابنا أقل، وحياتنا أبسط بكثير.
لأن المخ لم يكن يسجل التفاصيل المادية بقدر ما كان يسجل: الأمان، الانتماء، الدهشة، والترابط الأسري.
في الطفولة، كان العيد حدثًا كاملًا.
أما في الكِبر، فأصبح مجرد محطة وسط الزحام.
كبرنا…
فأصبحت أعيادنا محاطة بالإجهاد النفسي، والضغط العصبي، والمقارنات الاجتماعية، وفرط التحفيز الرقمي.
حتى الفرحة نفسها لم تعد تُعاش بشكل نقي، لأن جزءًا من وعينا منشغل دائمًا بالمراقبة والتحليل.
وهذا ما يُعرف نفسيًا بـ: “Hyper-awareness”
أو الوعي الزائد.
الإنسان لم يعد فقط يشعر بالفرح…
بل أصبح يراقب نفسه وهو يحاول أن يفرح.
يراقب ردود أفعاله.
يقارن حماسه القديم بحماسه الحالي.
يفكر إن كان سعيدًا كفاية أم لا.
وهنا تفقد اللحظة عفويتها.
ولهذا يشعر كثير من الناس في العيد بحزن غير مفهوم، رغم أن كل شيء يبدو جيدًا ظاهريًا.
لأن العقل يقارن دون توقف بين: “كيف كنا نشعر”
و
“كيف أصبحنا نشعر الآن.”
النوستالجيا إذًا ليست اشتياقًا للأماكن فقط…
بل اشتياق لنسخة قديمة من أنفسنا.
نشتاق للشخص الذي كنا عليه قبل أن نفهم الحياة أكثر مما ينبغي.
قبل أن ندرك هشاشة العلاقات.
قبل أن يصبح الغياب جزءًا من الأعياد.
قبل أن تدخل المسؤوليات إلى غرفنا دون استئذان.
بعض الناس لا يشتاقون فعلًا لبيت الجدة…
هم يشتاقون للإحساس الذي كان داخلهم حين كانوا هناك.
وهنا تظهر واحدة من أهم الحقائق النفسية:
الذاكرة البشرية انتقائية وعاطفية وليست موضوعية.
العقل يميل إلى “تنعيم” الذكريات القديمة مع الوقت، وهي ظاهرة تُعرف بـ: “Rosy Retrospection”
أي أننا نتذكر الماضي بصورة أجمل مما كان عليه فعلًا.
فنحن لا نتذكر الملل، أو المشكلات الصغيرة، أو لحظات البكاء القديمة بنفس قوة تذكرنا لرائحة الكعك، وصوت التكبيرات، ولمعة العيون ليلة العيد.
المخ يحذف الكثير من الألم…
ويُبقي ما يمنحنا شعورًا بالدفء النفسي.
ولذلك تبدو الأعياد القديمة وكأنها تنتمي لعالم أكثر رحمة.
لكن الحقيقة الأهم هنا:
الحنين ليس مرضًا نفسيًا.
في صورته الصحية، النوستالجيا تساعد الإنسان على استعادة إحساسه بالهوية والاستمرارية النفسية.
أحيانًا يحتاج العقل أن يعود للماضي قليلًا…
حتى يتحمل الحاضر.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الحنين إلى إقامة دائمة داخل الماضي.
حين يقتنع الإنسان أن أجمل أيامه انتهت فعلًا.
حين يتوقف عن صناعة ذكريات جديدة لأنه مشغول بالحزن على الذكريات القديمة.
وهنا يتحول الحنين من وسيلة دفء… إلى شكل خفي من أشكال الفقد.
السؤال الحقيقي إذًا ليس: “لماذا نشتاق لأعياد قديمة؟”
السؤال الأهم: هل ما زال بإمكاننا أن نصنع شعورًا يشبهها اليوم؟
والإجابة النفسية المطمئنة هي: نعم… لكن بطريقة مختلفة.
لن يعود وعينا كما كان في الطفولة،
لكن يمكننا أن نستعيد بعض ما فقدناه حين نبطئ قليلًا.
حين نعيش اللحظة دون مراقبتها باستمرار.
حين نسمح لأنفسنا بالشعور بدل التحليل.
حين نفهم أن الفرحة ليست حدثًا ضخمًا دائمًا…
أحيانًا تكون مجرد لحظة أمان هادئة وسط الفوضى.
العيد لم يفقد روحه بالكامل…
نحن فقط أصبحنا نحتاج جهدًا أكبر لنشعر بها.
وربما لهذا السبب تحديدًا…
تبقى التكبيرات قادرة كل عام على لمس شيء عميق جدًا داخل الإنسان،
شيء لا يشيخ مهما كبرنا.
وفي الحقيقة…
هناك جانب أكثر عمقًا وخطورة في علاقتنا النفسية بالأعياد القديمة.
بعض الناس لا يحنّون إلى الماضي لأن الماضي فقط كان جميلًا…
بل لأن حاضرهم مُنهك نفسيًا.
فعندما يتعرض الإنسان لفترات طويلة من الضغط النفسي المزمن
“Chronic Stress”،
يبدأ المخ تلقائيًا في البحث عن فترات شعر فيها بالأمان والانتماء والراحة العصبية.
ولهذا تصبح ذكريات العيد القديمة نوعًا من “الملاذ النفسي”.
العقل لا يستدعي الماضي عبثًا…
إنه يحاول حماية الإنسان من التآكل الداخلي.
وهذا يفسر لماذا تزداد النوستالجيا بشكل ملحوظ عند:
الأشخاص الذين يعانون من الوحدة العاطفية
أو القلق المستمر
أو الإرهاق النفسي
أو فقدان شخص عزيز
أو حتى خلال مراحل الانتقال الكبيرة في الحياة
لأن النفس البشرية حين تتعب…
تعود تلقائيًا إلى الأماكن التي شعرت فيها بالأمان لأول مرة.
ولهذا أحيانًا…
مجرد سماع تكبيرات العيد قد يجعل الإنسان يبكي دون سبب واضح.
الصوت نفسه يتحول إلى “مثير عاطفي”
Emotional Trigger
يربط العقل فورًا بينه وبين: الأم، البيت القديم، رائحة الطعام، الضحكات، الأيدي التي اختفت، والأشخاص الذين لم يعودوا هنا.
وهنا نفهم شيئًا مهمًا جدًا:
النوستالجيا ليست تذكرًا فقط…
إنها إعادة إحياء عصبي وعاطفي كاملة.
الجهاز العصبي لا يفرّق أحيانًا بين الذكرى القوية والواقع الحالي،
ولهذا نشعر بحرارة المشاعر القديمة وكأنها تحدث الآن.
وربما لهذا السبب تحديدًا…
بعض الأعياد تؤلم أكثر مما تُفرح.
خصوصًا عندما يجلس الإنسان على نفس السفرة،
لكن بعدد أقل من الأشخاص.
أو حين يدرك أن هناك نسخة قديمة منه ماتت بصمت خلال السنوات الماضية.
فالإنسان لا يفقد الناس فقط…
أحيانًا يفقد أجزاء من روحه مع الوقت.
يفقد اندهاشه.
خفته.
قدرته على الفرح السريع.
وشعوره البسيط بالأمان.
لهذا يبدو العيد عند البعض وكأنه مواجهة نفسية غير مباشرة مع فكرة: “مرور الزمن”.
ومرور الزمن من أكثر الأشياء التي تُرهق العقل البشري،
لأنه يذكّر الإنسان دائمًا بأنه يتغير…
وأن كل شيء قابل للفقد.
لكن رغم ذلك…
هناك شيء مدهش في النفس البشرية.
أنها قادرة دائمًا على ترميم نفسها.
حتى الأشخاص الذين يشعرون اليوم بأن العيد أصبح باهتًا…
يمكنهم بالتدريج إعادة بناء علاقتهم بالفرح.
ليس بنفس الطريقة القديمة،
لكن بطريقة أكثر نضجًا ووعيًا.
فعلم النفس لا يرى النضج على أنه فقدان للمشاعر،
بل القدرة على خلق معنى جديد للحياة رغم كل شيء.
ربما لم تعد فرحتنا تشبه فرحة الطفولة،
لكن هذا لا يعني أنها أقل صدقًا.
الطفل كان يفرح لأنه ينتظر لعبة.
أما الإنسان الناضج…
فقد يفرح لأن شخصًا يحبه ما زال بخير.
وقد تكون هذه النسخة من الفرح أكثر هدوءًا… لكنها أعمق بكثير.
وفي النهاية،
ربما نحن لا نشتاق فعلًا للأعياد القديمة بقدر ما نشتاق لذلك الشعور النادر: أن يكون القلب خفيفًا…
والحياة أبطأ…
والأمان أقرب.
وربما لهذا سيظل العيد دائمًا يحمل شيئًا مقدسًا داخل النفس البشرية،
حتى عند أكثر الناس تعبًا.
لأنه يذكّر الإنسان، ولو للحظات قصيرة،
أن داخله ما زال قادرًا على الشعور…
وأن الجزء الطفولي فيه لم يمت بالكامل بعد.
—
ود أيمن المنوفي
أخصائية صحة نفسية وإرشاد نفسي وباحثة في علم النفس الإكلينيكي

